انعقدت في برلين مساء يوم 9 كانون الأول/ ديسمبر، 2025 الدورة الثالثة من جائزة سميرة الخليل. وكانت ثيمة الجائزة لهذه السنة نضال النساء ضد الغياب والخسارة والصمت. وقد فازت بها كل من وفا علي مصطفى وهنادي زحلوط من سورية، ونوهت جمعية سميرة الخليل بالدكتورة ليلى سويف من مصر. وفا تثابر منذ سنوات على إبقاء قضية أبيها حية، وكان قد غيب على يد النظام الأسدي منذ عام 2013، وفقدت هنادي ثلاث من اشقائها في مجازر الساحل في آذار من عام 2025، وناضلت الدكتورة ليلى سويف من أجل حرية ابنها علاء عبد الفتاح طوال سنوات اعتقاله التي انتهت قبل أشهر قليلة.
وقد أدارت الاحتفالية الفنانة فانة ليلى، وحضرها نحو سبعين شخصاً من سوريين وألمان وغيرهم. وكانت وفا وهنادي حاضرتين، وتسلمتا شهادتي جائزتيهما شخصياً، فيما سجلت الدكتورة ليلى سويف فيديو قصيراً في المناسبة، وتسلم زوج سميرة ياسين الحاج صالح شهادة التنويه الخاص بالدكتورة ليلى. وكان ياسين قد ألقى كلمة تحدث فيها عن 12 عاماً من غياب سميرة، مع شريكتها رزان زيتونة، وشريكيهما وائل حمادة وناظم حمادي، وقال إنه كان يفترض أن تنعقد هذه الدورة الثالثة من احتفالية الجائزة في دمشق، لكن جمعية سميرة الخليل ارتأت العدول عن ذلك بعد مجازر السويداء.
وبعد منح شهادات الجوائز والتنويه الخاص، قدم الموسيقي عيد الوهاب كيالي ست مقطوعات على العود، ختمها بموسيقا يا فجر لما تطل، الأغنية المفضلة لسميرة.
وكان زوج سميرة وأصدقاؤها قد أطلقوا جمعية سميرة الخليل في باريس في عام 2022، وتمنح الجمعية جائزة سنوية منذ عام 2023 لامرأة من المجال العربي أو المتوسطي، تنجز شيئاً لافتاً في حقول الأدب أو الفن أو المجال الحقوقي. وقد فازت بها في دروتها الأولى عام 2023 ريم الغزي، صانعة الأفلام الوثائقية السورية، وفي الدورة الثانية عام 2024 تقاسمتها نعمة حسن، الروائية والقاصة والشاعرة الفلسطينية من غزة، وغارانس لوكين الصحفية والكاتبة الفرنسية، ونالت تنويهاً خاصاً زينب الغنيمي المحامية وناشطة حقوق الإنسان الفلسطينية من غزة.
كلمة ياسين الحاج صالح
مساء الخير:
في احتفال جائزة سميرة قبل عام، قلتُ إنه "سيسعدنا أن نستغني عن دورة ثالثة للجائزة بحرية سميرة ورزان ووائل ناظم. فإن لم يتحقق هذا الأمل، فإننا سنلتقي مرة أخرى بعد عام، مع الأمل بأن يكون اللقاء في دمشق". دمشق كانت المكان البديهي لانعقاد هذه الاحتفالية الثالثة. كنا في جمعية سميرة الخليل، ومع العائلة وصديقات وأصدقاء في الداخل متحمسين لذلك. لكن ما سال من دماء في السويداء، والخشية من اعتداءات قد تطال أياً من المنظمين أو المشاركين، دفعتنا للعدول عن هذه الخطة.
هنا في برلين، بعيداً عن دمشق، نستذكر سميرة وشريكتها رزان زيتونة، وشريكيهما وائل حمادة وناظم حمادي، الأربعة الذي غيبوا قبل 12 عاماً في دوما، غير بعيد عن دمشق. حين أنظر في الأمر من مسافة، يبدو أن هذا لا يصدق وغير معقول، لكن "بلدنا الرهيب" كان خلال سنوات طويلة، بل خلال عقود، معرضاً لما لا يصدق ولغير المعقول.
الأربعة كانوا في دمشق لأكثر من عامين بعد الثورة، يعملون على انتصارها وطي صفحة الأبد الأسدي. الثورة السورية غير متصورة دون مساهمتهم ومساهمة ألوف غيرهم في أنشطتها الاحتجاجية والحقوقية والإعلامية والثقافية والإغاثية، والقتالية كذلك. النظام لم يسقط خلال 11 يوماً، على ما كتب زميلي صادق عبد الرحمن البارحة، ولم يسقط حصراً على أيدي المقاتلين المشاركين في عملية "ردع العدوان"، بل بفضل نضال وتضحيات ملايين السوريين بعد الثورة، وقبل ذلك طوال الحقبة الأسدية. لكن سميرة ورزان ووائل وناظم، وألوف غيرهم، لم يكونوا غائبين وقت انطواء الصفحة السوداء، بل أسماءهم كذلك كانت غائبة. وفي حروب الذاكرة النشطة اليوم في سورية والشتات، أسماء سميرة ورزان ووائل وناظم، والآخرين، ليست حاضرة في غير قلوب أحبابهم وأصدقائهم. هذا تصغير لسورية وكفاح السوريين، لا يليق.
ليس هناك جريمة أسوأ من التغييب القسري، لأنها تحرم المغيبين من الحياة ومن الموت معاً، وتحرم الأهالي من الحداد وتبقيهم قيد حياة معلقة، حياة بانتظار حياة تحيا. ونعرف، نحن الأهالي،بالاسم مرتكبي جريمة خطف سميرة ورزان ووائل وناظم من قيادات جيش الإسلام، جمعنا عنهم المعلومات وتوفرت لدينا القرائن عبر السنوات الطوال لغيابهم بما يكفي لتوجيه التهم إليهم علانية. معرفة الحقيقة عن الأربعة ممكنة اليوم، وتحقيق العدالة ممكن. ما يلزم هو البدء بعملية قضائية حقيقية، لا يجب أن ترهن بملف ضخم هو ملف المغيبين، ليس لأن الأربعة مفضلون على غيرهم، ولكن لأننا حيال قضية تجمعت خيوطها والمعلومات بشأنها بقدر يكفي لملاحقة الجناة وتحقيق العدالة. 
لم يكن تغييب الأربعة قضاء وقدراً، وليس شيئاً يمكننا التطبيع معه أو تركه يتقادم، مهما طال عليه الزمن. لا مستقبل آمناً أو كريماً لأحد في سورية إن هي نامت على المغيبين والمغيبات. وليس خطف امرأة واحدة أو رجل واحد إلا مساهمة في خطف سورية كلها إلى مصير مجهول. البارحة استذكرنا بمزيج من البهجة والألم الذكرى الأولى لسقوط الحكم الأسدي. البهجة على أن صفحة حقيرة كان يجب أن تطوى قد طويت، والألم لأن طي الصفحة لم يطو معها الدم والتمييز وخطف النساء والمراوغة والتزوير.
اسم سميرة معنا اليوم، رمز لاستمرار كفاحنا بين صفحتي الأبد الأسدي، ورزان ووائل وناظم، وسميرة نفسها، رموز لاستمرار هذه الكفاح بعد نهاية الأبد وإلى اليوم والغد. والأربعة تذكير بأن قضية الديمقراطية التي ناضلوا من أجلها هي قضيتنا اليوم وغداً، وأن هذا النضال هو ما نستند إليه في مقاومة أي حكم فئوي جديد.
أود ختاماً أن أشكر فاتنة ليلى على طيب جهودها لتقديم هذه الاحتفالية، وتمام العمر الذي تطوع خلال ثلاث سنوات لتصميم شهادات الجوائز والتنويه الخاص، وغياث أيوب الذي صمم البوستر لهذا العام، وعبد الوهاب كيالي على الصداقة والموسيقا، ومونيكا بورغمان وبرنارد هلنكامب وأمم على المساعدة ودعم الاحتفالية، وياسين سويحة على ألف نوع من الدعم، وصديقات وأصدقاء كثيرين على مساعداتهم المتنوعة وتضامنهم، وأعضاء مجلس إدارة جمعية سميرة الخليل على شراكة في الروح وقضايا كثيرة. وكل واحد وواحدة منكم على الحضور والمشاركة.
شكراً جزيلاً
